أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

212

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

قال بشر بن غياث : صحبت أبا يوسف سبع عشرة سنة ، ثم أنصبت عليه الدنيا سبع عشرة سنة ؛ قال أبو يوسف : ما أظن أجلي إلا قد اقترب فما لبث شهرا حتى مات . قيل أنه مات لخمس خلون من ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة . روى أن الشيخ معروف الكرخي تأسف حيث فاتته صلاته ، فقيل له في ذلك أنه ولى القضاء ، وكان من عمال السلاطين ، قال : أني رأيت البارحة كأني دخلت الجنة ، فرأيت قصرا فرشت مجالسه ، وأرخيت ستوره ، وقام ولدانه ، قلت : لمن هذا ، قالوا : لأبي يوسف ، قلت : سبحان اللّه ، وبم استحق هذا ، قالوا : بتعليم العلم وصبره على أذاهم . ذكر الإمام عبد الحميد الخوارزمي ، والإمام الصيمري ، عن يحيى بن حرملة ، عن أبي يوسف أنه قال : كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقل الحال ، فجاء إلى أبي وأنا عند الإمام ، فقال : يا بني ، لا تمد رجلك معه ، فإن خبزه مشوي وأنت محتاج إلى المعاش ، فاخترت طاعة والدي ، وقعدت عن الطلب ، فسألني الإمام وتفقدني وقال : ما خلفك عنا ، قلت : طلب المعاش ، فلما رجع الناس ، دفع إلي صرة مائة درهم ، فقال : أنفق هذا ، فإذا نفد فأعلمني ، وألزم الحلقة ، وجعل كلما نفد يعطيني مائة أخرى بلا أعلامي ، كأنه يخبر بنفادها ، حتى بلغت حاجتي من العلم ، أحسن اللّه تعالى مكافأته وغفر له . وذكر الإمام الحلبي ، عن علي بن الجعد ، عن أبي يوسف ، قال : مات أبي وأنا صغير ، وأسلمتني أمي إلى القصار ، فكنت أدع القصار وألزم حلقة الإمام ، ولما طال ذلك ، جاءت أمي إلى الإمام وقالت : ما للصبي أستاذ غيرك ، أطعمه غزلي وهو يتيم ، قال الإمام : دعيه فإنه يتعلم أكل الفالوذج بدهن الفستق ، فولت قائلة : هذا شيخ ذهب عقله ، فلزمته حتى نفعني اللّه بالعلم ، وتقلدت القضاء ، وكنت أجالس الرشيد ، وآكل على مائدته ، فلما كان في بعض الأيام ، قدم إلى الرشيد فالوذجة بدهن الفستق ، فقال : كل منها فليس في كل يوم يعمل لنا مثلها ، فضحكت ، فسألني عن الضحك ، فأخبرته ، وقال : لعمري أن العلم ينفع ويرفع دينا ودنيا ، وترحم على الإمام وقال : كان ينظر بعين